وكالة مهر للأنباء: تستخدم وسائل الإعلام والأوساط السياسية الأمريكية في الأسابيع الأخيرة، أكثر من أي وقت مضى، كلمات مثل "التراجع" و"الاستسلام" و"المأزق الاستراتيجي" لوصف سياسات دونالد ترامب تجاه إيران؛ كلمات كان من الصعوبة حتى وقت قريب استخدامها لوصف السياسة الخارجية الأمريكية. لكن مجموعة من التطورات الميدانية والسياسية والاقتصادية جعلت حتى وسائل الإعلام المقربة من التيار الرئيسي الأمريكي تعبر عن شكوكها تجاه نتائج المغامرة العسكرية الأمريكية على إيران. وفي هذا السياق، أكدت مجلة "ذا أتلانتيك" في تحليل نادر، أن سياسة ترامب تجاه إيران انتهت عملياً إلى "الاستسلام والتراجع"، حيث طالبت طهران، دون قبول أي قيود على تخصيب اليورانيوم، بالحصول على تعويضات حربية، ورفع العقوبات، وتثبيت موقعها الاستراتيجي في المنطقة.
ما يلفت الانتباه اليوم أكثر من أي شيء آخر هو الهوة العميقة بين الأهداف الأولية لأمريكا من الدخول في هذه المواجهة، والنتائج الفعلية لها على الأرض. فقد تصورت إدارة ترامب وحلفاؤها أنهم يستطيعون، من خلال مزيج من الضغط العسكري، والعمليات النفسية، والعقوبات الواسعة، إجبار إيران على التراجع الاستراتيجي. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا الهدف لم يتحقق، بل إن طهران تمكنت من الحفاظ على جزء كبير من قوتها الردعية، بل وتحقيق موقع تفوق في بعض المجالات.
منذ الأيام الأولى لاندلاع المواجهة، سعت واشنطن إلى تقديم صورة لعملية سريعة وحاسمة؛ حرب كان من المفترض أن تضعف القدرات العسكرية والإقليمية لإيران وتغير معادلات الشرق الأوسط لصالح أمريكا وإسرائيل. ومع ذلك، أظهر مرور الزمن أن التقييمات الأولية الأمريكية لقدرات إيران كانت بعيدة كل البعد عن الواقع. فلم تُدمر البنى التحتية الاستراتيجية لإيران، ولم تنهار شبكة النفوذ الإقليمي لطهران. في المقابل، أدى اتساع نطاق التهديدات ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، وضعف حلفاء واشنطن، إلى زيادة تكاليف الحرب على العدو بسرعة.
في ظل هذه الظروف، يتجلى المعنى للتغيير التدريجي في لهجة ترامب تجاه إيران. فالرئيس الذي كان يتحدث سابقاً عن "التدمير الكامل"، يؤكد الآن أكثر من أي وقت مضى على الحوار ووقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق. لا يمكن اعتبار هذا التحول في النهج مجرد تكتيك دبلوماسي، بل هو قبل كل شيء علامة على قلق واشنطن من استنزاف الحرب والعواقب الخطيرة لاستمرارها. تدرك أمريكا جيداً أنه كلما طال أمد الصراع، زادت تكاليفه الاقتصادية والأمنية والسياسية؛ وهي تكاليف لا تؤثر على إدارة ترامب فحسب، بل أيضاً على المكانة العالمية لأمريكا.
من أهم تداعيات هذه الحرب، الضربة التي تلقتها مصداقية الردع الأمريكي. لطالما سعت واشنطن لسنوات لتقديم صورة القوة التي لا تُقهر في المنطقة، لكن اليوم، حتى الحلفاء التقليديون لأمريكا أصبحوا يشككون في قدرة هذا البلد على إدارة الأزمات. فالدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، التي كانت تعتمد بشكل كبير على المظلة الأمنية الأمريكية في السنوات الماضية، تنظر الآن إلى التطورات بحذر أكبر. لقد لاحظوا أنه خلافاً للدعاية الأولية، فإن أمريكا غير قادرة على تغيير معادلات المنطقة بسهولة، وأن أي حرب واسعة مع إيران يمكن أن تهدد أمن واقتصاد المنطقة بأسرها.
في هذا السياق، حاولت العديد من الدول العربية إبقاء نفسها بعيدة عن التوترات المباشرة، وفي الوقت نفسه تعزيز قنوات الاتصال مع طهران. يظهر هذا المسار أن الحرب لم تؤدِ إلى عزل إيران، بل يمكن القول أنه تسببت في بعض الحالات في زيادة الأهمية الجيوسياسية لطهران في المعادلات الإقليمية. لقد توصلت دول المنطقة إلى استنتاج مفاده أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه دون الأخذ بعين الاعتبار دور إيران، وأن سياسة إقصاء أو إضعاف طهران بالكامل قد فشلت عملياً.
من ناحية أخرى، كان أحد أهم أهداف أمريكا هو الحفاظ على هيكل العقوبات وتكثيف الضغط الاقتصادي على إيران. لكن استمرار الاشتباكات وعجز واشنطن عن تحقيق أهدافها جعل مشروعية وفعالية هذه العقوبات موضع تساؤل. العديد من الفاعلين الدوليين ينظرون الآن بعين الشك إلى سياسة "الضغط الأقصى". إذا لم تتمكن أمريكا من تقديم مكاسب ملموسة من هذه المواجهة، فمن المحتمل أن يتسع الخلاف في الإجماع الدولي ضد إيران؛ وهو أمر يمكن أن يسرع تدريجياً من عملية تآكل العقوبات.
وفي غضون ذلك، يواجه الكيان الصهيوني أيضاً تحديات متزايدة. كانت تل أبيب تأمل أن يؤدي دخول أمريكا إلى الصراع إلى تغيير ميزان القوى لصالحها، لكن استمرار الحرب واتساع رقعة انعدام الأمن الإقليمي زاد الضغوط الداخلية والخارجية على إسرائيل. بالإضافة إلى الخسائر الأمنية والاقتصادية، فإن زيادة الانتقادات العالمية ضد سياسات الكيان الصهيوني، وخاصة فيما يتعلق بانتهاك حقوق الفلسطينيين، شكلت تحدياً دبلوماسياً إضافياً دفع هذا الكيان إلى العزلة أكثر من أي وقت مضى. ولهذا السبب، يعتقد العديد من المحللين الغربيين أن استمرار هذا المسار لن يضعف موقع إيران، بل قد يُثبت ويدعم النفوذ الإقليمي لطهران بل ويعززه.
النقطة المهمة الأخرى هي التأثيرات الداخلية لهذه الحرب على أمريكا. خلافاً للتصور الأولي للبيت الأبيض، فإن جزءاً كبيراً من الرأي العام الأمريكي ينظر بسلبية إلى الدخول في حرب جديدة في الشرق الأوسط. فتجارب العراق وأفغانستان المكلفة لم تمح بعد من ذاكرة المجتمع الأمريكي، والعديد من المواطنين الأمريكيين قلقون من أن يورط بلدهم مرة أخرى في حرب طويلة وغير مجدية. هذه المخاوف أدت إلى زيادة الضغط على إدارة ترامب، بل وعلى بعض أعضاء مجلس الشيوخ والنواب. في الواقع، كلما اتضحت تكاليف الحرب، قل الدعم الداخلي لاستمرار المغامرة العسكرية.
في مثل هذا الجو، يجب النظر إلى تأكيد ترامب على الحوار ووقف إطلاق النار على أنه محاولة للخروج المُدار من الأزمة؛ محاولة هدفها منع تحول الحرب إلى مستنقع استراتيجي لأمريكا. ومع ذلك، فإن المشكلة الرئيسية لواشنطن هي أنها لم تعد في موقع يسمح لها بفرض شروطها على إيران. فطهران لم تتحمل الضغوط فحسب، بل وبالاعتماد على قدراتها الداخلية والإقليمية، ترى نفسها في موقع يمكنها من طرح مطالب أكبر.
ولهذا السبب تستخدم بعض وسائل الإعلام الأمريكية كلمة "الاستسلام"؛ وهي كلمة تعبر عن الهوة الكبيرة بين الأهداف الأولية للحرب ونتائجها الفعلية. على الرغم من أن أمريكا لا تزال تحاول إخفاء صورة التراجع الواضح إعلامياً وسياسياً، إلا أن حقائق الميدان تظهر أن استمرار هذا المسار سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لواشنطن. تواجه إدارة ترامب الآن السؤال الأساسي: كيف يمكنها الخروج من هذه الأزمة دون تحقيق أهدافها المعلنة؟ مواجهة كان من المفترض أن تكون عرضاً للقوة الأمريكية، لكنها تحولت تدريجياً إلى رمز لمحدودية قوة هذا البلد.
بشكل عام، تظهر التطورات الأخيرة أن استراتيجية الضغط والمواجهة المباشرة ضد إيران لم تفشل فقط في تغيير سلوك طهران، بل أدت إلى إعادة تعريف ميزان القوى في المنطقة. تمكنت إيران، مع الحفاظ على هيكلها الردعي، من الاستفادة من الجو الذي خلقته لتعزيز موقعها السياسي والإقليمي. في المقابل، تواجه أمريكا وحلفاؤها الآن مجموعة من التكاليف غير المتوقعة؛ تكاليف قد يؤدي استمرارها إلى تقليص نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط أكثر فأكثر. ولهذا السبب، فإن ما يوصف اليوم في وسائل الإعلام الأمريكية بـ"الاستسلام"، هو في الواقع انعكاس للإخفاق الاستراتيجي لمشروع كان من المفترض أن يغير النظام الإقليمي، لكنه أدى في النهاية إلى إضعاف موقع أمريكا وزيادة التعقيدات الجيوسياسية.
/انتهى/
تعليقك